الحلبي

16

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

رضي اللّه تعالى عنه إلى كسرى ليأخذ منه أمانا لقومه لينزلوا ريف العراق لأجل المرعى ، فقال له كسرى : أنتم قوم غدر ، وأخاف على الرعايا منكم ، فقال له حاجب : أنا ضامن أن لا تفعل قومي شيئا من ذلك ، فقال له كسرى : ومن لي بوفائك ؟ قال : هذه قوسي رهينة ، فحمقه كسرى وجلساؤه وضحكوا منه ، فقيل له : العرب لو رهن أحدهم شيئا لا بد أن يفي به ، فلما أخصبت أرض تميم بدعاء النبي صلى اللّه عليه وسلم لهم لما وفد إليه جماعة منهم وأسلموا ومات حاجب ، أمر عطارد رضي اللّه عنه قومه بالذهاب إلى بلادهم ، وجاء عطارد رضي اللّه عنه إلى كسرى فطلب قوس أبيه ، فقال : إنك لم تسلم إليّ شيئا فقال : أيها الملك ، أنا وارث أبي وقد وفينا بالضمان ، فإن لم تدفع إلي قوس أبي صار عارا علينا وسبة ، فدفعها له وكساه حلة ، فلما وفد عطارد على النبي صلى اللّه عليه وسلم وأسلم دفعها للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، فلم يقبلها وقال « إنما يلبس هذه الحلة من لا خلاق له » فكانت بنو تميم تعد ذلك القوس من مفاخرهم ، وإلى هذا أشار بعض الشعراء وقد أحسن وأجاد وتلطف بقوله : تزهو علينا بقوس حاجبها * تيه تميم بقوس حاجبها وصار قصي رئيسا لقريش على الإطلاق حين أزاح يد خزاعة عن البيت ، وأجلاهم عن مكة بعد أن لم يسلموا لقصي في ولاية أمر البيت ، ولم يجيزوا ما فعل حليل وأبو غبشان على ما تقدم ، وذلك بعد أن اقتتلوا آخر أيام منى بعد أن حذرتهم قريش الظلم والبغي ، وذكرتهم ما صارت إليه جرهم حين ألحدوا في الحرم بالظلم ، فأبت خزاعة ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، وكثر القتل والجراح في الفريقين إلا أنه في خزاعة أكثر ، ثم تداعوا للصلح واتفقوا على أن يحكموا بينهم رجلا من العرب ، فحكموا يعمر بن عوف وكان رجلا شريفا ، فقال لهم : موعدكم فناء الكعبة غدا ، فلما اجتمعوا قام يعمر ، فقال : ألا إني قد شدخت ما كان بينكم من دم تحت قدميّ هاتين ، فلا تباعة لأحد على أحد في دم . وقيل قضى بأن كل دم أصابته قريش من خزاعة موضوع ، وأن ما أصابته خزاعة من قريش فيه الدية ، وقضى لقصيّ بأنه أولى بولاية مكة ، فتولاها . قيل : وكان يعشر من دخل مكة من غير أهلها ، أي بتجارة ، وكانت خزاعة قد أزالت يد جرهم عن ولاية البيت ، فإن مضاض بن عمرو الجرهمي الأكبر ولي أمر البيت بعد ثابت بن إسماعيل عليه الصلاة والسلام ، فإنه كان جدا لثابت وغيره من أولاد إسماعيل لأمهم ، واستمرت جرهم ولاة البيت والحكام بمكة لا ينازعهم ولد إسماعيل في ذلك لخؤولتهم ، وإعظاما لأن يكون بمكة بغي . ثم إن جرهما بغوا بمكة ، وظلموا من يدخلها من غير أهلها ، وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى لها ، حتى إن الرجل منهم كان إذا أراد أن يزني ولم يجد مكانا دخل البيت فزنى فيه ، فأجمعت - أي عزمت - خزاعة لحربهم وإخراجهم من مكة ،